إنجـــاز علمــي كبيــــر.. دواء مصري فعال للقضاء علي ديدان البلهارسيا والفاشيولا

 

تحقيق / حاتم صدقي – محمد الشاذلي – جريدة الأهرام

لمــــاذا رفض د. مسعود عرضاً بمليون دولار من إحدي شركات الدواء الأمريكية ؟

توصل عالم مصري شاب بكلية الطب بجامعة الأزهر إلي دواء جديد فعال لعلاج الطفيليات الشرسة التي تصيب الإنسان خاصة البلهارسيا والفاشيولا ، كما يمكنه – إذا إستخدم كمحلول – أن يلعب دوراً حيوياً في القضاء علي القواقع العائمة للبلهارسيا ، مما يزيد من الأهمية القومية لهذا الدواء الجديد بالنسبة لمصر . وقد نجحت إحدي الشركات الوطنية للدواء في إنتاجه بعد سلسلة من الأبحاث والتجارب التي قام بها فيريق من كبار أطباء الامراض المتوطنة بمختلف الجامعات المصرية قرابة 14 عاماً . وقد توجهنا عند سماعنا لأخبار هذا الدواء إلي بعض الأوساط العلمية لإستطلاع الآراء والوقوف علي صحة هذه الاخبار ، إلا أننا فؤجئنا بأن هناك عدة حالات قد أخذت هذا الدواء بالفعل وشفيت تماماً من المرض ومضاعفاته ، وهنا ذهبنا إلي العالم المصري لنستمع منه إلي تفاصيل هذه التجربة العلمية .

 

        وترجع قصة الدواء الجديد –  كما يقول الدكتور أحمد مسعود أستاذ الجهاز الهضمي والكبد والأمراض المتوطنة بطب الأزهر – إلي عام 1984 حينما قرأ إحدي الدوريات العلمية علي أثر بعض النباتات الخام في علاج الدوسنتاريا في الصومال . حيث تزرع أشجار هذا النبات المسمي كوموفورا مولمول . ومن المعروف أن الدوسنتاريا هي أحدي أعراض ومضاعفات البلهارسيا وأنهما ينتشران بصورة وبائية في الصومال .

        ولهذا تساءل الدكتور مسعود لماذا لاتكون لهذا النبات نفس الفاعلية التأثير علي البلهارسيا إلي جانب تأثيره علي الدوسنتاريا . وبدأ بالفعل في جمع كل الأبحاث العلمية التي أجريت علي هذا النبات من النواحي الزراعية والطبية والصيدلية وبدأ بتجربته كنبات خام وكمكونات (زيوت طيارة ومواد راتنجية ومواد صمغية) منفردة ومجتمعة علي حيوانات التجارب المعدية بطفيل البلهارسيا ، وأظهرت النتائج الاولية لهذه التجارب التاثير الكبير للنبات ومكوناته في قتل ديدان وبويضات البلهارسيا والقضاء عليها .

        وبعد عدة سنوات من التجارب المعملية تمكن الدكتور مسعود من التوصل إلي الجرعات المناسبة من النبات الخام أو مكوناته التي تم إستخلاصها من النبات للقضاء علي الطفيل ، وأثبتت الأبحاث أن النبات ومكوناته المختلفة لهما تأثير قوي قاتل لطفيل البلهارسيا وجميع الديدان الأخري بالإضافة إلي قتل جميع البويضات في أمعاء وكبد حيوانات التجارب كما أسهم بصورة ملحوظة في تحسين وظائف الكبد والكلي في هذه الحيوانات .

خال من السمية

        ثم بدات أختبارات السمية ودراسة التأثيرات الجانبية علي الصفة المرضية لكبد وكلي حيوانات التجارب المعدية بالبلهارسيا بقسم الفارماكولوجيا بكلية الصيدلة بجامعة المنصورة تحت إشراف الدكتور أسامة سلامة أستاذ الكيمياء الصيدلية ، واكدت النتائج خلو الدواء تماماً ن السمية وأي أعراض جانبية وأنه يؤدي غلي تحسين الصفة المرضية للكبد والكلي وذلك عن طريق الفحص الباثولوجي .

مليون دولار

        وفي عام 1996 ذهب الدكتور مسعود للمشاركة في اعمال مؤتمر الجمعية الأمريكية للأمراض المتوطنة ببلتيمور حيث قبل بحثه كأحد أهم أبحاث المؤتمر وتم نشره في الدوريات العلمية هناك ، وبعد الإنتهاء من إلقاء البحث فؤجيء الدكتور مسعود في اليوم التالي بمندوب إحدي شركات تصنيع الدواء العالمية يعرض عليه مليون دولار لمجرد توقيعه علي عقد إتفاق مبدئي مع الشركة لشراء حق تصنيع الدواء ، إلا أنه رفض ذلك العرض بشكل قاطع وقرر في نفس اللحظة إعطاءه لإحدي الشركات الوطنية لتصنيعه حتي لو كان العائد ضئيلاً وكان شرطه الوحيد هو أن يكون سعر الدواء في متناول جميع المرضي البسطاء . وبعد التأكد من خلوه من الأعراض الجانبية والتأثيرات السامة أو المسرطنة علي حيوانات التجارب والتحقق من موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية علي الأستخدام الآدمي للنبات الخام وجميع أجزائه ومكوناته منفردة ومجتمعة في الطعام وذلك من واقع الأبحاث السابقة عليه والمنشورة في الدوريات العلمية العالمية ، فكر الدكتور مسعود في تجربة الدواء علي الإنسان في حالات الإصابة ببالهارسيا المعوية وبلهارسيا المجاري البولية أو الاثنتين معاً . وكانت المفاجأة حيث أثبتت نتائج التجارب التي أجريت علي 62 مريضاً فاعلية الدواء الجديد وتأثيره الكبير في شفاء جميع الحالات بنسبة تقترب من 100% بالإضافة إلي تحسين جميع الأعراض المرضية وإختفاء جانب كبير منها . ويوضح الجدول التالي تأثيرات الدواء علي الأعراض المختلفة المصاحبة للغصابة بالبلهارسيا المعوية .

        كذلك أنخفضت نسبة الاجسام المضادة للبلهارسيا في دم المرضي من 97% إلي 16% بعد العلاج بثلاثة أشهر ونجح الدواء في القضاء علي بلهارسيا المجاري البولية في جميع المرضي بنسب تقترب من 100% أيضاً مع إنخفاض أعراض المراض لدي جميع المرضي .

وبعد هذه النتائج المذهلة في علاج المرضي والتي قوبلت بتشجيع كبير من الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر ، وافق علي غيفاده في مهمة علمية إلي الولايات المتحدة لإلقاء بحثه عن فاعلية الدواء الجديد في مؤتمر الجمعية الامريكية للأمراض المتوطنة الذي عقد بولاية فلوريدا الأمريكية في العام الماضي وأعيد نشر البحث في الدوريات العلمية بإعتباره دواء فعالاً ضد مرض البلهارسيا في الإنسان ، كما تمت مناقشة الدكتور مسعود في جميع المؤتمرات والندوات العلمية المتخصصة التي عقدت خلال العاميين الماضيين ، مما دفع بعض أساتذة الأمراض المتوطنة بمختلف الجامعات المصرية بتجربة الدواء علي عدد من مرضاهم وعمل دراسات التحقق من صحة النتائج الأولية .

والفاشيولا أيضاً

        ويضيف الدكتور مسعود أنه بعد أن تأكد بصورة قاطعة من تأثير الدواء علي طفيل البلهارسيا وفاعليته الكاملة في القضاء عليه ، قام بتجربته علي طفيل الفاشيولا وهو إحدي الديدان الكبدية الخطيرة . ومن المعروف أن أي دواء يثبت فاعليته ضد البلهارسيا يتم تجربته علي الفاشيولا لأن ديدانها ترتبط بشكل ما بديدان البلهارسيا . وبتجربة الدواء الجديد مع سبع حالات من المصابين بالفاشيولا لمدة ستة أيام ، كانت النتائج مبهرة حيث أختفت تماماً بويضات الفاشيولا مع براز جميع المرضي في اليوم السادس للعلاج وظلت مختفية طيلة ثلاثة أشهر من المتابعة بعد العلاج .

ووضح ذلك بتحليل عينات البراز أسبوعياً . كما أختفت جميع الاعراض الناتجة عن الطفيل تماماً في أسابيع قليلة وتحسنت نتائج جميع الفحوصات الطبية وعادت إلي معدلاتها الطبيعية في الدم . ويؤكد الدكتور مسعود أن الدراسات الأولية تؤكد أيضاً فاعلية الدواء الجديد وتأثيره القاتل لقواقع البلهارسيا والفاشيولا ويوصي بإستكمال الأبحاث الخاصة بذلك للوصول إلي النتائج النهائية لهذا التأثير .

الاساتذة يتكلمون

وفي لقاء الأهرام بأساتذة أمراض الجهاز الهضمي والكبد والأمراض المتوطنة الذين قاموا بتجربة الدواء المصري الجديد ، قال الدكتور أحمد علي الجارم- أستاذ الجهاز الهضمي والكبد بطب القاهرة والعميد والسابق لمعهد تيودور بلهارس لبحوث البلهارسيا – إنه قام بتجربة الدواء الجديد علي 7 حالات ولاحظ من خلال الابحاث التي أجريت علي هؤلاء المرضي أن الدواء قتل جميع البويضات في عينات البراز وعينه المستقيم في 6 حالات إما الحالة السابعة فلم تكن الإستجابة كاملة فيها بسبب إصابة المريض بالإسكارس والفاشيولا إلي جانب البلهارسيا ، الأمر الذي كان يتطلب – كما فسر الدكتور مسعود تغير جرعات الدواء لتتناسب مع شدة الإصابة وقال الدكتور شكري شعيب أستاذ الأمراض المتوطنة بطب عين شمس أنه قام بإعطاء الدواء لأربعين حالة من المصابين بالبهارسيا بنوعيها المعوية والمجاري البولية وكانت النتائج عظيمة حيث أقتربت فاعلية الدواء من نسبة 100% وذلك من واقعة المتابعة للحالات التي تمت متابعتها وأنتظمت في أخذ الدواء بالجرعات الموصي بها .

كذلك أكد الدكتور إبراهيم العشماوي أستاذ الطب البيطري بجامعة الإسكندرية – الذي قام بتجربة الدواء الجديد علي 3 جاموسات مصابات بديدان الفاشيولا – فاعلية الدواء في القضاء علي ديدان الفاشيولا إذا إعطي للحيوان بنفس جراعات الإنسان بواقع جرعة واحدة يومياً لمدة ستة ايام متتالية ، حيث أوضحت نتائج المتابعة إختفاء بويضات الطفيل تماماً من جسم الحيوان وأعضائه بعد مرور فترة وصلت إلي شهر ونصف الشهر من تلقي العلاج . كذلك أوضحت نتائج تجربة إستخدام محلول الدواء قدرته الفائقة علي قتل ديدان الفاشيولا وتأثيره المباشر عليها خلال ساعات قليلة ويقول الدكتور أحمد عبد اللطيف أبو مدين أستاذ الأمراض المتوطنة بطب قصر العيني إنه قام بتجربة الدواء الجديد لتقييم فاعليته علي 150 من حيوانات التجارب في إطار إتفاق مع الدكتور الجارم بتشكيل فريق بحثي برئاسة الدكتورة عزة يونس أستاذة الطفيليات بطب قصر العيني وأكدت نتائج الأبحاث التي أستمرت ستة اشهر علي حيوانات التجارب المعدية بالطفيل إنخفاض أعداد ديدان البلهارسيا داخل الوريد البابي الكبدي وفروعه تدريجياً حتي ماتت تماماً خلال شهر واحد من تعاطي الدواء في حين أظهرت التغيرات المرضية داخل الكبد تحسناً كبيراً مقارنة بالمجموعات الضابطة التي لم تتناول الدواء .. كما توقفت الديدان عن وضع مزيد من البويضات داخل أنسجة الامعاء الرفيعة والغليظة والكبد وإستكمالاً للتجارب العلمية بعد نجاح إستخدام الدواء علي حيوانات التجارب . تم الإتفاق مع الدكتور الجارم علي تجربته مع عدد من المرضي بالمستشفيات الجامعية وإخراج النتائج لنشرها في مؤتمرات علمية للمناقشة ، وعندئذ تتم دراسة سمية الدواء وتأثيره علي أعضاء الجسم المختلفة وأثاره الجانبية توطئة لإقراره للإستخدام العام في مكافحة الطفيل. وبدأت تجربته بالفعل كما يقول الدكتور أبو مدين علي عدد من المرضي المصابين بعدد من الأمراض الطفيلية. وفي جامعة الأسكندرية أكد الدكتور حلمي أباظة أستاذ الجهاز الهضمي والكبد بطب الأسكندرية أن تجارب إستخدام الدواء علي 7 حالات من المصابين بالبلهارسيا المعوية أثبتت فاعليته بنسبة تقترب من 100% وتم هذا التقييم علي حد قوله من واقع المتابعة التي أمتدت لثلاثة أشهر بالتحاليل المعملية للبراز وفحص عينات من القولون وعدد بويضات البلهارسيا لدي كل مريض قبل وبعد العلاج بالدواء ويضيف الدكتور أباظة أن الدواء يتميز بأنه من الأعشاب الطبيعية وخال من السمية والفاعلات الجانبية الخطيرة والمسرطنة ويمتاز بسهولة إستخدامه ، حيث يتعاطاه المريض بواقع جرعة واحدة يومياً لمدة ثلاثة ايام البلهارسيا ولمدة ستة ايام للفاشيولا . ويقول الدكتور يحيي الجوهري رئيس قسم الأمراض المتوطنة بطب الأسكندرية أن النتائج المبدئية للدواء في علاج مرضي البلهارسيا أكدت فاعليته وخلوه من الأعراض الجانبية كذلك أوضحت النتائج عند إستخدامه علي مرضي الفاشيولا – كما يقول الدكتور الجوهري – فاعليته الشديدة مع خلوه من الأعراض الجانبية في علاج المرض وتحقيق الشفاء التام للمرضي مادام يتعاطي بالجرعات الموصوفة . وأخيراً أوضح الدكتور علي وهيب استاذ أمراض الجهاز الهضمي والكبد أنه قام بتجربة الدواء علي مجموعة من مرضي البلهارسيا الذين حصلوا علي علاجات للطفيل بأدوية أخري ولم يستجيبوا للعلاج ووجد أن هناك أستجابة هائلة . أما بالنسبة للمرضي حديثي الإصابة بالبلهارسيا فكانت إستجابتهم أكبر جداً وبمتابعة الحالات لمدة تراوحت بين شهر وثلاثة أشهر بعد العلاج كشفت النتائج الإختفاء التام لبويضات في براز المرضي وعينات المستقيم التي تم أخذها بالمنظار الشرجي .